أحمد بن علي القلقشندي

159

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الأوّل ، ولعمري إنّ خيرا من سيرة ذلك البطَّال سيرة هذا البطل ، والأمر أعلى في قراءتها واستماعها ، والتّمهّل في حجلها حتّى تسفر حسن نقابها وترفع مسدول قناعها ، . . . ( 1 ) . . . قد أحاطت العلوم الشريفة بالعزمات الشّريفة السّلطانية ، وأنها استصحبت ذلك ، حتى تصفّحت المهالك ؛ وسرنا لا يستقرّ بنا في شيء منها قرار ، ولا يقتدح من غير سنابك الخيل نار ، ولا نمرّ على مدينة إلا مرور الرّياح على الخمائل في الأصائل والأبكار ، ولا نقيم إلا بمقدار ما يتزيّد الزّائر من الأهبة ، أو يتزوّد الطائر من النّغبة ؛ نسبق وفد الرّيح من حيث ننتحي ، وتكاد مواطيء خيلنا بما تسحبه أذيال الصّوافن تمتحي ، تحمل همنا الخيل العتاق ، ويكبو البرق خلفنا إذا حاول بنا اللَّحاق ، وكلّ يقول لسلطاننا نصره اللَّه : أين أزمعت أيّهذا الهمام ؟ نحن نبت الرّبا وأنت الغمام ! ومرّ لا يفعل السّيف أفعاله ، ولا يسير في مهمه إلا عمّه ولا جبل إلا طاله : تسايره السّواري والغوادي ، ولا ينفكّ الغيث من انسكاب في كلّ ناد ووادي : فباشر وجها طالما باشر القنا وبلّ ثيابا طالما بلَّها الدّمّ ! وكان مولانا السّلطان من حلب قد أمر جميع عساكره بادّراع لامات حربهم ، وحمل آلات طعنهم وضربهم : فجاز له حتّى على الشّمس حكمه وبان له حتّى على البدر ميسم يمدّ يديه في المفاضة ضيغم وعينيه من تحت التّريكة أرقم ! ورحلوا من حلب في يوم الخميس ثاني ذي القعدة جرائد على الأمر

--> ( 1 ) بياض في الأصل .